
"إن القلب ليحزن.."
لم تكن تلك مجرد كلمات تفوه بها النبي -صلي الله عليه وسلم-حين مات ولده ابراهيم
لأول مرة يأخذ قلبي ركناً وحده وينهار ويجهش في بكاء هستيري..علي فراقك يا سلمي..
قلبي الذي عاهدته يا طفلتي ان تسكني فيه دائماً وابداً جنباً الي جنب بجوار اختك سهيلة...
بات يبحث عنك الأن دون جدوي...
يسأل عنك كل أحد دون جدوي...
يتفقد فراشك الصغير...
يمسح بدموعه كل قطعة كنت ترتديها يا صغيرتي...
يبكي كلما رأي العابك التي احضرها لتلعبي بها...
اخذت الأمنيات قلبي الي يوم تتخرجين فيه من الجامعة وتهرولين تحتضنيني واضمك اليٌ بفرح...
لكنه بعد الأن بات ضرباً من خيال...ورؤية سراب لن تتحقق
تخيلك قلبلي يا ابنتي تحملين حقيبتك علي ظهرك الي المدرسة
وتأتين الي غاضبة مقطبة الجبين وتشكين من اختك سهيلة انها فعلت بك كذا وكذا
وانا ابتسم لكما واتظاهر بأني اعنف سهيلة ليرضي ذلك قلبك الصغير وتعود البسمة اليك...
لكنه بعد الأن بات ضرباً من خيال...ورؤية سراب لن تتحقق
صمت قلبك... فشهق قلبي...
وتوقفت دقات قلبك فصرخت دقات قلبي ملتاعة لا تصدق مشهد الرحيل
وتمتم لساني بين عبرات دموع خانقة وحزن بثقل سبع سموات والآراضين معاً...
ان لله وان اليه راجعون...
"...وإن العين لتبكي.."
لم أشأ ان اتودد الي عيني لتوقف هدير دموعها...
ولا احسبها تفعل وتطيع...
وانا علي يقين انها لن تسمع لكلامي ولن تنصاع لأمري..
فمصيبتها فيك يا سلمي قد شغلتها عن اي شئ...
لم تصدق عيني انها لن تري بسمتك الملائكية ثانية...
وانت التي عودتها علي مدار ثلاثة اشهر...
ان تمنحيها بسمة كلما سقط ننها عليك...
وحين يمسح جبينك رموشها...
كانت لغة البسمات اكثر من ان توصف بينكما...
حتي ادمنت عيني النظر اليك ..
وباتت لا تمل ولا تكل ولاتعرف وسيلة لدفع هذا الشوق الذي يجعلها تسرع للنظر الي وجهك...
وتتأمل قسمات وجهك المنمنمة التي ابدع الخالق في تكوينها وتركيبها...
سلمي...
ان عيني لا تزال تبحث عنك في كل ركن من غرفتك الصغيرة...
تجول ببصرها هنا وهنالك...عبثاً تتخيل انها ستبصرك وانت ترفرفين بيديك وقدميك الصغيرتين
وتقع في حيرة شديدة حينما تفكر في مصيبتها بأنها لن تلقاك الا في الآخرة...وربما في الجنة...ربما
فتجلس عيني يا ابنتي وقد اعياها البحث عنك...وتشرد ببصرها بعيداً..بعيداً..
الي مكان خيالي ليس فيه احد سواي وسواك...
مكان ملئ بالملائكة الصغار يلعبون من حولك...وضحكاتك تغمر المكان
وانا من بعيد اراقبك وابكي...نعم ابكي...
ابكي لأنني في هذا العالم الخيالي لا استطيع ان المسك...او احملك بين ذراعي
كل ما استطيعه هو ان اراقبك فقط...حتي لا يتلاشي المشهد من ذهني سريعاً
ستظلين هكذا يا ابني دائماً وابداً في خيالي..طفلة وصغيرة...لن تكبري بمرور السنين
بينما الأيام والسنوات ستأكل ما تبقي لي من ساعات في هذه الدنيا...
حتي يحين موعد اللقاء الأبدي بيننا
"...وانا لفراقك يا ابراهيم لمحزونون...محزونون..."
أجل يا سلمي
لا تدري يا قطعة قلبي...
وانا احملك بين ذراعي وحولي رفاقي وجدك...
ذاهبين لنواريك تحت الثري...في احضان التراب
لا تدري ان شعوراً قوياً قد راودني وانا احملك انك لازلت علي قيد الحياة
كنت اختلس النظر اليك...وامسح قطرات دمعي التي تساقطت علي وجهك البرئ الطاهر
هذه القطرات التي لا يحق لها ان تلمس وجهك النقي بعد ان لوثتها الحياة الدنيا
بالكذب تارة...و الغش تارة...والخداع مرات عديدة
كنت اظن يا ابنتي انك سوف تبتسمين لي...وتطلبين مني ان ازيح عنك رداء الموت الخانق
كنت اشعر ان اطرافك الصغيرة تتحرك في حضني
فكنت ازيح رداء الموت قليلاً لعل الأمنية تصبح حقيقة وتعودين للحياة
لكن من احبهم الموت لا يهبهم ثانية للحياة...
وحين نزلت بك الي رحم الأرض التي سوف تمكثين فيها الي يوم الوقت المعلوم...بكيت نفسي لا انت
اي أب انا الذي يدفن بضعة من قلبه في التراب
اي أب انا الذي هان عليه ان يهيل التراب فوق غصن فؤاده
وضعت التراب يا طفلتي فوق بسمتك...
فوق ثغرك الباسم...
فوق وجهك الملائكي الذي ما اضمر لي يوماً شراً
وإنما كان يضحك حين يراني...ثم انا الأن اكافؤه واهيل عليه التراب
قبلتك حينها اكثر من مرة...لا ادري كم مرة بالتحديد...
لم أستفق من معانقتك الا حينما جذبني مرافقي لما طال مكثنا في حضرة الموت المقدسة
فالملائكة في شوق لإقامة عرسك يا طفلتي
والجنة قد زينت...واطفالها في شوق وحنين اليك
فأنتم جميعاً علي موعد ...
انهار وبساتين وثمار وزهور ورياحين وعصافيروالنور يغمر كل مكان
حيث الخير ولا شئ الا الخير...
لا مكان للشر هناك يا طفلتي...
فأنعمي بالأمان...بجوار الرحيم الرحمن
سلمي
دفنتك بيدي...فدفنت شعاع النور الذي يضئ حياتي
كنت التفت خلفي وانا اغادر مثواك الأخير
والله واقسم بالله...كأني اسمع صوتك يناديني...لماذا تتركني يا ابي
لم افعل لك شئ سوي اني احبك...نعم يا ابي احببتك
لكن يا ابنتي هي الأقدار حالت بيننا
لكني سأدعو الله في صلاتي ان يقصر فيما تبقي لي من ايام
وان يعجل موعد اللقاء بيننا
ثقي في هذا
فلقد سئمت الدنيا واهلها...وحلوها ومرها...وكل شئ فيها
كل شئ دون الموت وهم...كل شئ ينسيك الموت وهم...كل وهم دون الموت وهم
دفنتك يا ابنتي...لكني يقيناً لن انساك...اتحرق لهذا اليوم في ارض المحشر حينما تمسكين بيدي
وتشفعين في أب لم يفعل شئ في الحياة ينجو به...سوي انه آمن بالله ثم أحبك
لن انساك
فلا تنسيني
وإنا لله وإنا اليه راجعون
ولله ما أخذ وله ما اعطي وكل شئ عنده بمقدار
اللهم إن إبتليت فكم عافيت...وإن اخذت فكم اعطيت
وداعاً