ليلة القبض علي المرتب


أهلاً يا شباب...
بجد وحشتوني...

ربما يتحزلق البعض ويقول:مين اللي وحشك...هو في حد موجود أصلاً..
ضحكة ساخرة من سموي:هههههههههه..(فاصل لسحب الأوكسجين)..هههههههههه...

أقول لهذا المتحزلق أنت مدسوس من المدونة اللي جنبنا لكن هذا التعليق حتي وإن كان صحيحاً..وهو كذلك بالفعل...

لكنه يؤكد حكمة الحكيم (عزوز-رع)..من الأسرة الخامسة عشرة التي سكنت وادي ترعة بولاق
حيث قال في البردية التي عثرت عليها هيئة الصرف الصحي وهي تنقب علي الأثار...تحت قاع النيل
ما نصه:يابني إمشي عدل يحتار عدوك فيك

من هذا المنعطف التاريخي الذي يربط بين مانعيشه اليوم وعاشته الأسرة المصرية المنكوبة في العصر الماضي السحيق...دعونا نطرح سؤالاً ذو علاقة وطيدة بالموضوع..أشد من علاقة مونيكا لونيسكي بالأستاذ بيل بن كلينتون...

لكن مهلاً تلك قصة أخري...دعونا لا نخرج عن موضوعنا الأساسي في هذه الليلة الشاعرية...ليلة القبض علي المرتب!!

نحن معشر الموظفين الصحفيين...تربطنا بالمرتب نهاية الشهر رابطة الإفتراس...لأننا الأعلي في الهرم الغذائي...والمرتب بعدينا بطابق او طابقين...ولا يوجد مصعد كهربائي

المهم نحن نظل نحضر للفريسة...نسهر لكتابة قوات الدعم التي ستشارك معنا في إفتراس المرتب...ومنها علي سبيل المثال لا الحصر...المكوجي...صاحب العمارة...الحكومة ممثلة في فواتير الكهرباء والمياه و التليفون و زيادة الخلفة والزبالة و عدم تحية العلم...

ثم يأتي دور المدام...ممثلاً في أقترح أن....ولهذا السبب يجب أن....ومنه يتضح أن.....وعليه يمكن القول أن.....نخرج من ذلك بتوصية من سموي لسموك أنك تسلمني نصف المرتب

هذا للصحفيين المتزوجين...أما غيرهم فأنهم...اللهم حسد...حسد...حسد...يعيشون أحلي ايام عمرهم بدون شك...وبكل ديمقراطية

إلا أننا ولحظة القبض علي الفريسة تحدث مفارقات غريبة...مثلاً اليوم وفي لحظة الإنقضاض...لم تستكمل أوراق القبض لبعضهم...والحمد لله انه غير متزوج..وإلا لأنهار من فوره...فجلس ينظر الي الفريسة الملقاة علي مكتب إدارة الحسابات...وهو يتخيل خروجه هذه الليلة مع خطيبته الجديدة...وفي خياله أكواب العصير اللذيذة...مع الكلمات الرومانسية المعتادة من نوع ..."إنت اللي شوفت صورتك في الفنجان"..."وانت اللي طلعلي إسمك في ورقة البخت بتاعة كوفرتينا"

المهم ياشباب...المرتب يعني لدي...تسديد بعض من الديون المجدولة...وكرافتة جديدة...وزيادة معدل الفاكهة في الثلاجة...والمرور بكل فخر علي أصدقائي لكي ادعوهم علي فطائر ساخنة...في موقعنا المعتاد...ربوة الزهراء

والأهم من ذلك... إعداد ظرف النقود المعتاد لأسرة شرفني ربي بأن أساعد نفسي من خلال مساعدتها...عندها فقط أشعر أن الفريسة كان لها ثمن ربما يكون في نهاية المطاف هو الجنة

عندما أنظر لكل فقير أشعر بأن له حق تقرره إنسانيته في المرتب...كيف أكل وهو جائع...كيف أتدفأ وهو عريان...كيف أضحك وهو يبكي

حدثني صديق أنه ذات مرة وهو يسير في شوارع المحروسة ليلاً ربما الساعة الثانية بعد منتصف الليل وجد إمرأة عجوزة تتواري عند جزع شجرة...علي الطريق العام ...وآلاف السيارات الفارهة تمر من جوارها ولا تنتبه لها

يقول صديقي: نزلت من السيارة في هذا الجو البارد من الليل وفي هذه الساعة المتأخرة...وإقتربت منها وبادرتها بالسؤال...هل لك قريب يأتي ليأخذك او تريدين أن اوصلك الي أى مكان؟!..

عندها نظرت اليه المرأة التي تجاوز سنها الستين بقليل بالنظر الي تجاعيد وجهها وقالت وهي تنتفض من البرد والجوع معاً: ملوخية ...لحمة...ملوخية...لحمة

ظن صديقي أنها ربما تكون مجنونة من هؤلاء الذين تسربهم مستشفي الأمراض العقلية عندما يزيد العدد لديها ولا يسأل عنهم أهليهم...ولكنه عاد وكرر سؤاله عليها...ومع إلحاح المرأة وإصرارها علي هاتين الكلمتين...إستقل صديق سيارته وإنطلق الي مطعم مشهور يقدم أطعمة من هذا القبيل...ثم عاد مسرعاً وهو يحمل لفافة الطعام وقلبه مسرور ويكاد أن يطير من علي الأرض...لأنه كان قابضاً لمرتبه منذ ساعات وهذا أول عمل خير يبدأ به من قبض هذا الشهر.....

المهم نزل من سيارته وإقترب من المرأة وأسندها علي يديه وقرب منها الطعام...لكنه وجد المرأة صوتها يخفت شيئاً فشيئاً ولا يكاد يتبين منه شىء...نظر لها وهو يحثها علي الأكل...فوجد أن شفتيها قد تحولتا الي اللون الأزرق تماماً...وثمة إرتعاشة تسري في أوصالها...

حملها في سيارته وهرع بها الي أقرب مستشفي رفضت أكثر من مستشفي إستلامها لمنظرها الرث ولعدم وجود هوية تثبت بها شخصيتها...ولم يشفع لها دموع صاحبي وتوسلاته...ولا حتي كونها إنسانة!!

قال لي صاحبي بكل مرارة الحزن: لقد ماتت بين يدي..!!

قلت له محاولاً التهوين من ألامه: الذنب ليس ذنبك

فرد علي بإبتسامة حاول أن ينزع منها السخرية قدر المستطاع: إذن ذنب من؟!..هل لأنها فقيرة...هل لأنها ليست من أصحاب الفلوس والنفوذ...هل لأنها ليس لها مرتب

ثم قام من أمامي وهو يحاول كبح جماح دمعة ساخنة تسقط من عينيه، وقال وهو يفتح باب سيارته: الا يكفيها مجرد أنها إنسانة فحسب.

تمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت...حد لسه مش فاهم حاجة؟!!

2 عبرني:

صلاح يقول...

تعليق بسيط على كلام عظيم ، كأنك تتحدث عني عندما تحدثت عن المرتب وليلة القبض عليه ، وكأنك تتحدث عني عندما تحدثت عن الصحفيين المتزوجين ، ولكني لا أعرف لماذ أخذتني من التصوير الساخر لحياة الصحفي أو الموظف بوجه عام الذي ينتظر المرتب إلى قصة مأسوية احزنتني كثيرا .
استطعت بخيالك أن تصور لي الكلمات وكأني رأيت السيدة العجوز وكأني رأيت المرتب الذي صرفته في يوم واحد وانتظره أخد الشهر .
صلاح عبد الصبور

أسامة عبد الرحيم يقول...

لا أعرف يا صلاح ماذا اقول لكن المآسي لا ينبغي فيها المجاملات....
شكراً علي زيارتك لبتنا القديم وياريت تزرنا تاني ومتخفش من كلام رئاسة الحي ان البيت آيل للسقوط هذا ما لن يحدث...علي الأقل مابقي القلم في يدي وما بقيت دميتي في يدي...ومابقيت أسير نحوه ...وما بقيت ذكرياتي ملكاً لي وحدي...
سلام