مسرور ومقرور..الحلقة الخامسة والاخيرة


قيامة الموتى

تشققت الأرض عن قبور موتاها وبدءوا ينهضون ، زُوّجت الأرواح للأجساد زواجاً مؤبداً هذه المرة ، وأعيد وصل تيار الوعي الذي انقطع .. كانوا جميعاً عرايا .. مغبرين بالتراب .. حفاة ..نهض مسرور داخل قبره فوجد "مقرور" يقف جواره ..
سأل مسرور بصلف : من أنت .. وماذا تفعل هنا ؟
قال مقرور محدّثاً نفسه : يا إلهي .. ألم نكن موتى ..
دفعت كلمة مقرور في نفس مسرور بخوف مفاجئ ،
ارتعش دم مسرور في عروقه وعاد يسأل : ليس وجهك غريباً علي ، ألست الرجل الذي حاكمناه بتهمة الخيانة .. ؟
قال مقرور : نعم أيها السيد الأعظم .. ألست السيد الأعظم .. لقد حوكمتُ بتهمة الخيانة كما تقول .. كنتُ أؤمن بيوم القيامة .. وها نحن نقوم
من الموت ..
قال مسرور مكابراً : كنا نحلم أيها الأحمق .. كان هذا حلماً مخيفاً .. أين قائد الحرس ؟ .. أين كبير البصّاصين .. ؟
في قاع روحه .. تأرجح احتمال واحد بأن يكون مقرور صادقاً ، لعله مات حقاً ولم يكن ما رآه حلماً مخيفاً كما يظن ، إن مشهد الزائر الغامض الذي سقاه كأس الموت لم يكن حلماً ، كما أن مشهد العذاب في قبره كان أقسى من أن يكون حلماً .. يبدو أنه مات وقام من الموت .. أخافته هذه الفكرة أكثر مما أخافه أي شيء آخر ..وتأمّل مسرور ملامح مقرور وأحسّ بالندم فجأة .. هذا رجل مسكين لا يبدو عليه التآمر فكيف حاكمه بهذه التهمة وأمر بإعدامه .. لقد تسرع في الحكم عليه ، تسرع قليلاً .. لكن كيف كان له أن يصدّقه وكل التقارير التي تأتيه من وزرائه وقادة جنده كانت تؤكّد له العكس تماماً ..لاحظ مسرور أنه يسير .. كان هناك آلاف الموتى الذين بُعثوا من نفس القبر وازدحموا في اتجاه الفتحة التي توصل إلى الأرض ..
تساءل مسرور بينه وبين نفسه : إلى أين أسير مسرعاً هكذا .. ؟ من الذي أمرني أن أقوم .. ؟ أين ملابسي وقصري ؟ .. أين خدمي وجنودي ؟ .. من الذي أمرني أن أنهض ومن الذي يحرك أقدامي .. أين سلطاني .. ؟
خرجا من الشق وسارا على الأرض .. كانت الشمس تختلف عن الشمس القديمة .. كانت تقرب من الأرض وتحتضر في نفس الوقت .. دهم مسرور خوف غامض ، ولاحظ أن هناك اثنين لا يعرفهما يسيران أمامه وخلفه ، كان الذي يسير أمامه يقود الطريق دون أن يتكلّم أو يقول شيئاً وبدا له أنه يسوقه سوقاً ، أما الذي كان يسير خلفه فكان يبدو أنه ملتصق به مثل التصاق الشاهد بالجاني ..أدرك مسرور انه ليس حرّاً في السير كما يحب .. أدرك أنه مقبوض عليه .

انفجار البحر
توقّف مسرور فسأله السائق : لماذا توقّفت ؟
ردّ مسرور حانقاً : أين تذهبان بي ؟
لم يجبه السائق ، ودفعه الشهيد في ظهره وقال : ألا ترى أننا جميعاً مأمورون ؟ تحرّك فإنك تعطّل الطريق ..وعاد مسرور يسير ..كان مقرور يسير إلى جواره ، كانت حركة مقرور أبطأ قليلاً من حركة مسرور ولم يكن مقرور يزيد على قوله : يا إلهي .. يا إلهي ..كان يطمئن نفسه بالتشبث بذكرى خالقه .. كان مقرور هو الآخر قد أدرك أنه موضع حراسة جيدة من كائن يسوقه وكائن يمشي خلفه كظلّه ، والتفت مقرور لأحدهما وسأله هامساً : ماذا يحدث ؟
قال الكائن بودّ شديد : هذه بداية القيامة ..
قال مقرور : إذا كان هذا الهول هو بدايتها فكيف تكون النهاية ؟
قال له الكائن : أسرع قليلاً في سيرك ..وعادوا يسيرون ..كانت الأرض تمتلئ بالخارجين من القبور ، فوجاً بعد فوج ، وأمّة بعد أمّة ، وشعباً بعد شعب ، واختلط خروج الموتى بنهاية العالم الذي عرفوه ..
أشار أحد المبعوثين من موتهم وصرخ : انظروا إلى البحر ..اتجهت الأنظار إلى البحر .. كان البحر يحتضر بطريقته الخاصة ، إن هواءه العليل وموجه البارد يتحولان الآن إلى دخان وانفجارات كانت تمزّق صدر الهواء بصوتٍ راعدٍ مزلزل ..وبدأ البحر ينفجر ، إن كل ذرة من ذرات مياهه وكل نواة من نويات ذراته كانت تنفجر .. وهاهو الهواء البحري العليل يتحول إلى صهد ناري أزرق ، وهاهو الموج المائي يتحول إلى نار ..ووقف مسرور ومقرور وسط الحشد يتأملون ما يحدث .. كان هؤلاء يعرفون أن الماء يطفئ النار .. عرفوا هذه البديهية من حياتهم السابقة وصارت من المسلّمات .. وهاهو الأمر البديهي يسفر عن وجهه الآن ، إن الماء لا يطفئ النار الآن ، إنما يتحول إلى نار ..واندفع الحشد البشري مبتعداً عن البحر ..وتزايد عدد الخارجين من القبور .. كثر الخلق واحتشدوا وبدا أن الأرض تتشقق عن أجيال لا نهائية من البشر .. رجال ونساء وأطفال وشيوخ ، وجوه مختلفة وألوان مختلفة وألسنة مختلفة وتعبيرات من الروع مختلفة .. حشد هائل راح يتسع ويمتد ويستطيل ويكبر ..كانت هناك سلسلة من الجبال عند نهاية المشهد .. وكانت الجبال تعترض امتداد البشر وتزايدهم .. وصار مقرور ومسرور الآن نقطتين وسط هذا الحشد البشري الهائل .

نسف الجبال
اقترب الحشد البشري من الجبال ..كان مسرور مذهولاً تماماً من مشهد انفجار البحر وتحوّل أمواجه إلى نار ودخان ، أما مقرور فقد تأكّد الآن أنه كان ميتاً ثم بُعث من الموت .. لقد صدق مقرور إذن .
كيف استطاع رجل واحد أن يعرف حقيقة خفيت على نظام بأكمله ! واقترب مسرور من مقرور وقد بات يحسّ الآن بلون من الطمأنينة جواره ..
سأل مسرور : ما معنى ما يحدث ؟
قال مقرور : إنها القيامة .
قال مسرور معتذراً : لقد كنت على حق أرجو ألا تكون غاضباً بسبب إعدامك .
لم يردّ مقرور بشيء ، كان شعوره بالعجب أكبر من شعوره بالهول ، أما مسرور فلقد اعتبر صمت مقرور عداءً مضمراً فتحرّك بعيداً عنه ، في قاع روحه ، كان مسرور يوقن أن خطراً داهماً يحدق به ، ولقد حاول الإفلات أكثر من مرة من حارسيه وكان يميل فجأة جهة اليمين أو اليسار ثم يندسّ في الحشد البشري ويسرع السير ثم يجري ثم يعاود السير فيكتشف أن أحد حارسيه أمامه والثاني خلفه .
كانا يلتصقان به بشكل خفيّ ، وأدركه اليأس وفكّر أنه يجب أن يستعين بأحد ، لو كان قائد جيشه وكبير البصّاصين أو رئيس العسس معه الآن لتغيّر الموقف على الأقل .. كان يحس ببعض الأمن والأمان وراح يلتفت بوجهه بحثاً عنهما ، لكنه أدرك عقم المحاولة ، لقد كان يبحث كمن يبحث في البحر عن إبرة سقطت من سفينة .
وتكامل إحساس مسرور بأنه سجين يقاد وسط حشد هائل يُقادون مثله إلى أين .. لا أحد يدري .
اقترب الحشد البشري من الجبال فوقع أمر مدهش .
اقتلعت يد القدرة الخفية الجبال من مكانها ورفعتها أمام هذا الحشد الهائل وأخلت بذلك الطريق أمامه ليتّسع .
وارتفعت رؤوس البشر تنظر إلى الجبال ، راحت الجبال تمرّ مرّ السحاب ، ثم بدأت تنفجر انفجارات متتالية ، كل نواة صخرية كانت تنفجر كنواة وتؤدي إلى سلسلة انفجارات نووية لغيرها ، وتحولت الجبال إلى شيء يشبه الصوف المنفوش الذي تحوّل إلى دخان لم يلبث أن تبدد .. صارت الأرض قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً .. استوت الأرض حين نسفت الجبال فلم يعد فيها انخفاض ولا بروز ولا ميل ولا تعرّج ، ثمة امتداد واحد مستوٍ مخيف .
وانساحت كتلة البشر في المكان الذي خلا بموت الجبال .

حشر الوحوش

مادت الأرض حين اقتلعت أوتاده الجبلية ، مثلما تميد خيمة في الصحراء قد نُزعت أوتادها ، وتُركت وحيدة منفردة أمام رياح الصحراء الشتائية العاتية .. وتضارب البشر وتخبّطوا ومالوا مع ميل الأرض .. كان واضحاً أنّ الجبال قد نُسفت بشكل أباد مادتها من الوجود .. وكان واضحاً أن ما يحدث هو بداية لشيء هائل لم يحدث بعد .. وبدأ الحشد البشري يرتعش بنغم واحد هو الهول ..
قال مقرور لنفسه : رحمتك يا رب .. لطفك يا رب ..
أمّا مسرور فكان يحسّ بهول الموت يأتيه من كلّ جانب ، ولا موت هناك ولا راحة ..من شقوق الأرض كان البشر يخرجون ، ومن أرجاء الكون كان الجن يُحشرون ومن فجاج الأرض كانت الوحوش تخرج .
كان مشهد الجن وهو يتقدّم عن يمين البشر مخيفاً ، لقد ظهر هولهم بظهور صورهم الحقيقية ، ولكن هولهم لم يؤثّر في البشر ، فقد كان هول ما يجري هو العنصر الحاكم للموقف ، وبدا الجن في مما يجري حولهم في الكون الذي طالما تسابقوا بين كواكبه ولعبوا في خلائه ..وأقبلت كتلة الوحوش عن يسار البشر .. كان عدد الوحوش يزيد كل لحظة وهم يخرجون من الأرض ويسيرون وقد نكسوا رؤوسهم من الهول .. حُشرت جميع الوحوش ، أُسود ونمور وصقور ووعول وكلاب وخراف .. وأقبلت مجموعة من الأسود نحو مسرور .. توقف مسرور عن سيره وأدركه رعب غامض .. لقد اصطاد في حياته مجموعة من الأسود ، لعل من بين هؤلاء أحدهم وقد جاء ينتقم ..عبرت الأسود "مسرور" وتجاوزت مكانه وانطلقت تجري مندفعة ، لاحظ بين هذه الأسود وعلاً صغيراً كان يجري هو الآخر ، لاحظ أن الأسود لم تلتفت إلى الوعل كما أن الوعل لم يرهب الأسود ، كان واضحاً أن الهول النازل بالأرض قد حبس الوحوش عن صفاتها الوحشية .. أو أنساها صفاتها الغريزية .
وهاهو الأسد يجري جوار الوعل فلا يشتهي افتراسه ولا يفكّر فيه ولا يراه من فرط ما يحسه من هول ..وتصاعد الهول بحشر الجن والوحوش ..كان مسرور ومقرور الآن قد التصق بعضهما ببعض ، وبدأ مسرور يحس بلون من الخوف لم يعرفه قبل ذلك ..التفت إلى مقرور وسأله : كم لبثنا موتى .. أقصد كم لبثنا أحياء قبل الموت .. أقصد كم لبثنا أحياء وموتى ..
قال مقرور : الله أعلم .. إن إحساسي أننا لبثنا أياماً .. وربما ساعات.
لبثنا أحياء أياماً ..
ولبثنا موتى ساعات ..
لست أدري
لست ادرى
فجأة
غشي الجميع صمت مهيب
وتوقفوا لبدأ العرض علي الله
والحساب
إنتهت

8 عبرني:

nana يقول...

مجرد تخيل يوم البعث ..اليوم الجلل
بعث فى نفسى قشعريرة هائلة...لاهفة ...خائفة...مطمئنة ... مرتعبة ... عظيمة

ابدع احمد بهجت فيما كتبه
وابدعت انت فى اختيارك له
واحاول انا ان ابدع فى امتنانى ولا استطيع

اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك
اللهم ارزقنا حسن الخاتمة
اللهم اجعلنا ممن تقول لهم ... ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود

تحياتى
ويجعلو بالتذكرة عااااامر

ammola يقول...

بجد مش حينفع اقول حاجة
مرررررعبة

سمسم يقول...

نانا
....
تحياتي انا كمان

ويجعلو بتعليقك الاكثر من رائع عااامر

تحياتي

سمسم يقول...

اموووولة
.........
النفس قد لا ينفعها الترغيب الا بعد

جرعة من الترهيب

وهذه هي

تحياتي

غير معرف يقول...

حقيقةً لا أدرى ماأقول فليست لدى الكلمات التى تعبر عن اعجابى بأبداعك فهذه مجرد تخيلات فما بالنا بالحقيقة اللهم اغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار
تحياتى
مجهول رقم 2

سمسم يقول...

مجهول 2
.....
وعدك الله بالجنة وحفظك من النار

وجعلك من الابرار

الاطهار

تحياتي

break يقول...

مساء الرعب :(((

يارب سلم

تحياتى

سمسم يقول...

بريك
.....
مساء المغفرة

وعفو ربنا

وتحياتي

للدكترة العسل

اللي بتعلق عندنا

تحياتي