مسرور ومقرور..الحلقة الرابعة


تحقـيق

تأمّل مسرور سجينه وضحيته وتأمّل مقرور الكرسي الذهبي الذي يجلس عليه خصمه وقاضيه السيد الأعظم ..وطغى على مسرور إحساس بالكراهية والازدراء ، بينما جاشت نفس مقرور بالدهشة من الثراء الذي يراه .
كانت مشكلة مقرور أنه يقف أمام السيد الأعظم حافياً .. وكان يحس أن دخوله عليه حافياً فيه ما فيه من سوء الأدب ، كان من المفروض أن يخلع نعله على باب السيد حتى لا يلوّث السجاجيد الثمينة التي وضعت على الأرض ، وكان مقرور آسفاً لأنه لا يملك نعلاً ، لقد أدركه الفقر بعد توبته فلم يعد يملك نعلاً .. وكان يحس أن السيد الأعظم سوف يسأله أين نعله ؟ هل يقول للملك أنه لا يملك نعلاً أم يصمت ؟صدق حدسه ..
تكلّم مسرور فقال لمقرور مؤنّباً :-أين نعلك ؟
قال مقرور : تركته عند باب كهف في جبل شرقي مصر .. ذاب النعل من يومها ، ومن يومها لم أستطع أن أحصل على نعلٍ آخر ..
قال مسرور : أنت متهم وأظن أنك لا تجهل تهمتك ..
فكّر مقرور سريعاً في التهمة ..كانت حياته في الأعوام العشرة الأخيرة تخلو من أي عمل خارج على القانون .. أو على الشرف .. لقد تاب منذ عشر سنوات .. أيكون السيد الأعظم يتحدث عن الأيام القديمة الشقية ..
أخرجه من أفكاره صوت الوزير الأول وهو ينتهره.-تكلّم أيها الكلب .. الأفضل لك أن تعترف اعترافاً كاملاً ..
قال مقرور : تريدون اعترافاً كاملاً ؟
قال مسرور : نعم .
قال مقرور : سأعترف للسيد الأعظم بكل شيء .. لقد كنت قاطعاً للطريق .. لصاً يعيش على الخمر والسرقة .. وكنت أرفل في الحرير والديباج ، وكانت النساء يترامين علي ، ثم هجرت هذا كله .. أعترف أنني مذنب .. لكن هذا كان منذ عشر سنوات كاملة.
قال مسرور معترضاً : لست أسألك عن قصة حياتك .
قال مقرور : عن أي شيءٍ يسأل السيد الأعظم ؟
قال مسرور : أسألك عن جريمتك الأخرى .. إن السرقة واعتراض الطريق لا تهمنا .. حدثنا عن جريمتك الأخرى ..
فكّر مقرور طويلاً فلم يجد شيئاً فقال لمسرور :-هذا كل ما عندي يا مولاي .

اعتراف

أشار مسرور بعينه إلى الجلاد فرفع الجلاد سوطه وهوى به على ظهر مقرور ، صفّر السوط وهو يخترق الهواء ، ثم هوى على ملابسه فمزّقها وترك خيطاً رفيعاً من الدم على ظهره .. فوجئ مقرور بنباح الألم في جسده ، ولكنه تماسك
وقال لنفسه :-من يدري .. لعل الله يكفّر بهذا الضرب عن سيئاتي القديمة.
مال كبير البصّاصين على مسرور وهمس في أذنه شيئاً فأشار مسرور إلى الجلاد أن يكفّ ..
التفت كبير البصّاصين إلى مقرور وسأله :-السيد الأعظم لا يسألك عن حياتك السابقة .. هذا شأن لا يعنيه .. إنما يسألك عن جريمتك الآن .. لا تراوغ إذا أردت أن تنجو .. ألا تريد أن تنجو ..
قال مقرور : أريد أن أنجو .. إن جرائمي كثيرة فعن أي جريمة تسألون؟
قال مسرور: أهم جرائمك .. ما هي أهم جرائمك ؟
قال مقرور : تقصيري مع الله .. لقد عشت عمراً كاملاً عبداً هارباً من الله ، ثم عدت إليه منذ عشر سنوات .. ما يدريني أنه قبل توبتي ؟ سوف أعرف إذا بُعثت من الموت ووقفت أمام الله هل قبل الله توبتي أم لا ؟ لكن هذه المعرفة عندئذ لن تجدي إذا كان الحق لم يقبل . هذه يا سيدي هي جرائمي ومخاوفي معاً ..
قال مسرور: أنت تعترف أن هناك إلهاً غير آلهتنا .. وتقول : إننا سنصحو من الموت .. ألم تقل ذلك ؟
قال مقرور : نعم ..
قال مسرور : بعد أن نتحول إلى ترابٍ يتطاير في الهواء ويتبدد مع الريح؟
ابتسم مقرور وهو يقول : ألا يعرف سيدي أن الله قادر على بعث الموتى .. لقد كنا أمواتاً فأحيانا الله ، ثم يميتنا ثم يحيينا .. هل يشك سيدي في هذا كله ؟ أين كان السيد الأعظم قبل أن يشرف الدنيا ؟ ألم يكن ميتاً وأحياه الله ؟
قال مسرور : المتهم لا يخفي خيانته .. أين سمعت هذا الكلام ؟
قال مقرور : من نبيّ بعث في الشرق .. كنت أضرب في الأرض حين قابلته .. لقد أضاء قلبي بكلماته وأدركتني التوبة من يوم لقائه .. لقد كان هذا النبي يا سيدي ..
قاطعه مسرور : اصمت .. التهمة ثابتة .. بماذا يحكم قاضي القضاة؟
قال قاضي القضاة دون أن يفكّر : المتهم بريء .. ما قاله النبي صحيح .
قال مسرور : لقد جنّ قاضي القضاة .. احرقوهما معاً .. أو انتظروا .

رؤيــا

سيق مقرور إلى السجن ، أمّا قاضي القضاة فقد أجبروه على شرب كأس قبل أن يغادر الإيوان ، فغادر المكان محمولاً على الأعناق .. وقيل : إن قاضي القضاة قد أحسّ بألم ثم سقط ميتاً .. وأرسل السيد الأعظم رسولاً خاصّاً من القصر لتقديم العزاء لأهل القاضي ، وتم تعيين قاضٍ جديد في المكان الشاغر .. وأسدل الستار على القضية برمتها
جلس مقرور في سجنه راضياً كل الرضا.لم يكن يصدق أنهم سيحرقونه ، سأل حارسه أكثر من مرة:-هل أنت واثق أنني سأحرق ..
قال الحارس : ليس لديّ أوامر أن أرد عليك .. إنني حارسك فقط ، ولست صديقاً يجاذبك أطراف الحديث ..ومكث مقرور في السجن فترة .كان حائراً تتعاقب عليه لحظات من السعادة والحزن .. كان يحدّث نفسه أنهم لو أحرقوه حقاً لكان معنى هذا أن الله قبل توبته وعفا عنه واختاره ليموت في سبيله ، وهذا يعني أن توبته قد قبلت .. لكن ماذا يكون الأمر لو أنهم كانوا يهددونه فحسب ، ولن يقتلوه ..إن هذا يعني أن توبته لا زالت في الميزان لم ترجح بها كفة القبول
لبث مقرور معذباً ثلاثة أيام .كان يطيل الصلاة ويسأل الله أن يريه علامة أو بشارة يطمئن بها لقبوله ..وفي الليلة الثالثة شاهد مقرور رؤيا عجيبة ..شاهد نفسه يسير في مكان وفير الخضرة يمتلئ بالأشجار والثمار والجداول ، وكانت أرض المكان من مسك ، وكانت أقدامه تسوخ في المسك فتتصاعد رائحة عطر مدهش .. وظل يسير ثم ظهرت له امرأة تشبه زوجته الأولى التي هجرها أيام الشقاوة .. وتقدمته المرأة حتى وصلا إلى سفح ربوة مخضرّة ..في قمة الربوة كان هناك قصر عجيب .. قصر أفضل من بيت السيد الأعظم مسرور ..
أشارت المرأة إلى القصر وقالت : متى تجيء إلينا
سألها : من أنت ؟
ولكنها قبل أن تجيبه اختفت واستيقظ من الرؤيا .. حدث حارسه في الصباح عمّا رآه
فقال الحارس:-المؤكد أنك ستموت اليوم .
لم يكن مقرور ليهتم .. كان طعم الرؤيا في فمه يغلب كل مذاق سواه .

موت مسرور

فرغ مسرور من عشائه وسخن رأسه من فرط الشراب فصحب قارورة الخمر إلى غرفة نومه وأشار إلى إحدى الجواري أن تسبقه ففعلت ..كان يدخل من باب الغرفة حين أحسّ بالدوار فجأة ، طنّت رأسه وتراخت أعصابه فسقطت زجاجة الخمر من يده إلى الأرض وتحطّمت .. واستند إلى الباب ولكنه أحس ألماً رهيباً في كتفه ، وجرى الألم من كتفه إلى يده إلى صدره ، والتف الوجع حول صدره كحزام من الذهب المحمي في النار .. سقط على الأرض فصرخت الجارية .. وامتلأت الغرفة بالجواري والحرس ، وتعاون الجميع على حمله إلى فراشه .
ووصل أمهر أطباء المملكة والتفوا حول فراشه .كان وجه السيد الأعظم محتقناً يميل لونه إلى الأخضر الذي توشيه الصفرة .. وكان يتنفس بشخير عالٍ كأن أحداً يذبحه ببطء ..
قال كبير الأطباء : السيد الأعظم غائب عن الوعي .. وهذه علامة سيئة
في الحقيقة لم يكن السيد الأعظم غائب الوعي .. كل ما هنالك أن وعيه كان في مكان آخر ، لم يكد يدخل غرفته حتى أحسّ بوجود زائر غريب فيها ، زائر بلا ملامح ، ولكن شيئاً في ملامحه كان يحمل ويلاً وبيلاً .
سأل مسرور : من أنت ؟
قال الزائر : جئت أسقيك كأساً فدع زجاجة الخمر من يدك .لم يكن أحد من البشر يستطيع أن يسمع الحوار ، إنما شاهدوا فحسب زجاجة الخمر تسقط من يده .قدم الزائر الغامض كأساً إلى مسرور ..
تساءل المحتضر دون أن يسمعه أحد :-أي شيء تحويه هذه الكأس ؟
قال الزائر : ألم تفهم بعد .. هذه كأس الموت .. لم يعد لك على الأرض غير ثوان قليلة .. هي بمقدار ما تشرب هذه .
قال مسرور منهاراً : لا أريد أن أموت .. ليس الآن .. أتوسل إليك .. خذ كل ثروتي مقابل شهر واحد .. أسبوع واحد .. يوم واحد ..
كشف ملك الموت عن وجهه فدخل مسرور في غمرات الموت .. كان يشرب كأساً مريرة ، وأحس أن روحه تنسحب من أقدامه مثلما يسحب المرء شجرة من الشوك انغرست في كومة من الصوف .. وبدأ ملك الموت يضرب وجه مسرور ..في الضربة الثانية كانت الروح تقاوم آخر الأبواب وهي تتلجلج في فم السيد الأعظم ..

موت مقـرور

حين كان مسرور يعاني سكرات الموت ، كان مقرور يقيد في عمود خشبي أعد في محرقة أشعلت لإعدامه .
في البداية أحس مقرور بالخوف وهو يوشك أن يدخل النار ، ثم فوجئ بوجود كائن غامض في قلب النار .
قال له الكائن : لا تخش شيئاً .. تقدّم مرة واحدة .. لن تحسّ بالألم .. لن تموت من النار ..
سأل مقرور دون أن يفتح فمه : من أنت ؟
قال الكائن : جئت أبشرك ..
قال مقرور : تبشرني بماذا ؟ .. أتكون أنت ملك الموت .
قال الكائن : نعم ..
قال مقرور : إذا كنت سأموت حرقاً بالنار .. فهذا يعني أن الله قبل توبتي .
قال الملك : لن تموت حرقاً بالنار .. إن أجلك ينتهي قبل أن تصل إليك النار .
قال مقرور محزوناً : كنت أريد أن أموت حرقاً في سبيل الله ..
قال الملك : لا تبتئس .. مرحباً بك في العالم الآخر ..
انكشفت بصيرة مقرور فجأة ، وعادت حواسه تستقبل عبق الريحان ، وأضاء وجه الملك وتهاوى جسد مقرور ميتاً وراحت روحه تتأمل جمال وجه الملك الكريم .
صاح جلاد المحرقة وهو يخاطب آمر السجن : لقد مات المحكوم عليه يا سيدي .. هل نحرقه ؟
قال آمر السجن : اسكب على وجهه قليلاً من الماء ليفيق من خوفه ، وأحرقه بعد ذلك ، ثم ادفنه في مقبرة السجن

نفس اللحظة

انتهى ملك الموت من انتزاع روح مسرور ، همدت حركة الجسد وأعولت إحدى الجواري فأمر الوزير الأول بطردها من الغرفة وصرف جميع الحاضرين واستبقى كبير البصاصين ورئيس العسس ، فلما خلت الغرفة من غيرهم
قال الوزير الأول :-سيقولون إن السيد الأعظم قد مات ، وهذا كذب ، الصحيح أنه خرج وسيرجع بعد فترة ، عليكما الآن بدفن جثته سراً في مقبرة السجن ، وليبق قبره المرمري خالياً ليعرف الناس أنه لم يمت
وفي جوف الليل ، حمل كبير البصاصين ورئيس العسس جثة السيد الأعظم في سرية تامة ووضعاها في مقبرة السجن حيث وضعت جثة مقرور من ثوان ..وأغلق عليهما القبر معاً .
وأعلن الوزير الأول أن الحكم مستمر باسم السيد الأعظم .

حساب مسرور

لم يكن مقرور بعد الموت يحس بشيء ، وكذلك مسرور .. وضع الموت حدّاً لإحساسهما بالحياة .. دخلا عالماً آخر مختلفاً تماماً ..لم يكد مسرور ومقرور يدخلان قبريهما حتى ارتد إليهما إحساسهما فجأة ، كان هذا الإحساس الجديد غريباً ..كان إحساساً بالحياة وإحساس بالموت معاً .. كان كل واحد منهما يدرك أنه مات ، ويدرك انه يحيا الآن فقط ..كان مسرور مذهولاً لما حدث .. لقد اختطفه الموت .. أي ويل وراءه .. لقد كان يتصور أن الموت فناء للإحساس ، وهاهو يكتشف الآن أنه إحساس مزدوج .. إحساس مضاعف .. رؤية بغير عين ، وشعور بغير مشاعر ..لم يكد مسرور يدخل قبره حتى انطبقت عليه جدران القبر فصرخ .. صرخة هائلة بدون صوت .. أخافت الصرخة البهائم في المنطقة فارتعش لها دمهم ..فوجئ مسرور بوجود اثنين في قبره .. أجلساه فجلس .. سقط كفنه من فوق كتفيه وجلس..
سأله أحدهما : من ربك ؟فوجئ مسرور بالسؤال ..
عاد الملك يسأله : ما دينك ؟ .. من نبيك ؟ ..
لم يرد مسرور بشيء .. عقد الخوف لسانه فلم يقل شيئاً ..أشار أحد الملائكة إلى الأمام وأمره أن ينظر ..نظر مسرور فشاهد بؤرة جحيمية من النار المشتعلة .. عاد دمه يتجمد من الرعب مرة أخرى ..
سأل مسرور : ما هذه .. ؟
قال المَلَك : هذه الحطمة ..
سأل مسرور بخوف : لماذا تريها لي ؟ ما شأني بها ؟
قال الملك : هذا بيتك في النار .. ألا يعرف السيد الأعظم بيته .. إنك لم تجب عن أسئلتي بعد ..
أحس مسرور أنهما يحققان معه .. وملأه هذا الإحساس بروع خفي .. حاول أن يجيب على الأسئلة ولكنه وجد نفسه لا يعرف جواباً لها ..لقد كان الذهب هو ربه المعبود ، أما دينه فكان هو الهوى ، أما الأنبياء فلم يسمع عنهم شيئاً إلا بوصفهم ثائرين .لم يدر أي شيء يقول ! وخشي أن يقول كلاماً يثير عليه محققيه فلزم الصمت ، وارتفع العذاب من جوف القبر وهوى عليه ..

حساب مقرور

أيقظ ملائكة الحساب "مقرور" وأجلسوه في قبره .. كان قد تحول إلى رماد ولكنه فوجئ بنفسه يجلس في قبره بينهما .كان إحساسه الغالب هو الخوف والدهشة .. لقد فقد الوعي حين أدخلوه المحرقة ، ثم لقي هذا الطيف في النار فحدّثه ألا يخاف ، ثم أحس لفح النار ثم غاب عن وعيه ..وهاهو يعود إلى الوعي ليفاجأ بوجود كائنين جليلين حوله ..
سأل مقرور : من أنتما .. ؟
قال أحد الكائنين ملائكة الحساب ..
ارتعش مقرور وسأل : هل قامت القيامة ؟
قال له الملك : لم تقم القيامة بعد . أنت في قبرك .. لقد جئنا نسألك ثلاثة أسئلة ..
-من ربك ؟قال مقرور : ربي الله خالق كل شيء .
سأله الملك : ما دينك ؟قال مقرور : أنا على دين جميع الأنبياء .. أسلمت وجهي لله .. مسلم أنا.
سأل الملك : ماذا تقول في النبي الذي قابلته في الشرق .. هل تؤمن بدعوته ؟
قال مقرور : نعم ..
سأل الملك : وتصدق أن الله أوحى إليه ؟
قال مقرور : نعم ..
أشار أحد الملكين إلى الأمام وقال لمقرور :-انظر أمامك ..
نظر مقرور فرأى الحديقة الخضراء والقصر العظيم اللذين رآهما في الرؤيا ..
التفت مقرور إلى الملك وسأل :-ما هذا أيها الملك الكريم ؟
قال الملك : هذا مكانك في الجنة .
سأل مقرور الملكين وهو يحس بفرحة طاغية :-هل قبل الله توبتي ؟
لم يجبه الملك ، وقال له أحدهما :-عد الآن إلى الموت بأمر الله ..
وعاد مقرور يتحول إلى الرماد الذي كان عليه قبل أن يسأله الملائكة .. وعاد يفقد وعيه ..فناء و ...مر عام .. ومائة عام .. وألف عام .. وألف ألف عام .. بليت الأجساد في قبورها وتحولت إلى تراب ، وامتدت المدينة إلى المقابر القديمة فصارت القبور مساكن ، ثم بليت المساكن وعادت قبوراً ، وتعاقبت دورة الحياة حتى نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض .. إلا من شاء الله ..فني الأحياء جميعاً وتكاملت عدة الموتى ..خلت من سكانها الأرض والسماوات فصاروا خامدين بعد حركتهم ، فلا حسّ يُسمع ، ولا صوت يهمس ، ولا شخص يُرى ، ولا كائن يدبّ على الأرض أو يعبر السماء ..صفرت الريح في الأرض التي خلت الآن من جنس البشر .. مات الخلائق وبقي رب الخلائق منفرداً بجلاله مستعلياً بأنواره قائماً بنفسه مستغنياً بذاته عمّن سواه ..قهر الموت كل حيّ .. وبقي الجبار الأعلى على عرشه سبحانه .. ومرّت أزمنة وأزمنة ..
ثم شاء الله تبارك وتعالى أن ينفخ إسرافيل في بوقه النفخة الثانية فأمره أن يفعل ..التقم إسرافيل البوق ونفخ فيه وهو يتمتم ..(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) .
كانت هذه النفخة أمراً من الله تعالى أن يبدأ يوم القيامة وبدأ أطول يوم في تاريخ الكون .
لقد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان .
اليوم تموت السماوات والأرض والجبال ويستيقظ الإنسان من موته ليُسأل عن أمانته .
كان مشهد موت الكون رائعاً ورهيباً معاً ..بدأ اليوم بتحطيم القوانين الحاكمة للكون ، وانفراط عقد النظام المحكم الذي سيّر المجرات أحقاباً وأزمنة .. حين بدأ الكون يموت
صدر الأمر إلى الموتى المكلفين أن يقوموا من الموت ..لم يكد الأمر يصدر لهم حتى أطاعوا جميعاً ونهضوا من الموت ، كانت عظامهم قد تحللت وفنيت وصارت تراباً من تراب الأرض ، ودخلت أجسادهم ملايين التحولات والتبدّلات ، فمن لحم ودم وعظام إلى سيقان وردة إلى إبريق خزفيّ إلى فحم في باطن الأرض إلى ماسة مشتعلة إلى تراب ..كان كل شيء ينتهي إلى التراب ، رغم هذا كله ، لم يكد الأمر الإلهي يصدر إلى الموتى بالقيام من الموت حتى قاموا .. عادوا من العدم إلى الوجود كما قلبوا قبل ذلك من العدم .
ونهض مسرور ومقرور .
.............................
الحلقة القادمة الاخيرة: قيامة الموتي
ترقبوها

9 عبرني:

nana يقول...

الان فهمت
مسرور..كان فى الدنيا مسرورا وطامعا ...والان لم يعد مسرورا ..ولم يعد كذلك اسمه

مقرور..كان فى الدنيا راضياوقانعا...والان قرت عيناه..وكان كذلك اسمه

رائعة...وفى انتظار النهاية الاروع

تحياتى
وجعل الله لك سهيلة قرة عين

سمسم يقول...

نانا
....
جزاك الله خير وربنا يحفظك

والخروع في السكة

لامؤخذة الاروع في السكة

تحياتي

ammola يقول...

يعنى لازمن الرؤيا يبقى فيها واحدة ست؟
دانتا حاجة غريبة اوى
الله يجحمك يا مسرور انت وكل المسارير اللى زيك
كمل يابنى

سمسم يقول...

امووولة
.......
احنا هنغير من مقرور ولا ايه

هكمل اهو

تحياتي

break يقول...

لا بجد بجد اكتر من رائعة

وفى انتظار النهاية

تحياتى

break يقول...

علفكرة الصورة اللى حضرتك حاتطها
العصفورة اللى فيها فكرتنى بعصفورتى العزيزة الله يرحمها
في شبه كبير اوى
عشان كدا انا بنادى معاك القوم يفتحو الصنبور احسنلهم

تحاتى

غير معرف يقول...

فى أنتظار النهايه الرائعه وأهنئك على ابداعك تحياتى مجهول رقم 2

سمسم يقول...

ضكتورة بريك
...........
النهاية ان شاء الله في الجنة بإذن الله

بخصوص عصفورك فألف رحمة ونور عليه

وربنا يصبرك

وشدي حيلك

ومنجلكيش في عصفور تاني

تحياتي

سمسم يقول...

مجهول2
....
متشكر سيادتك يا فندم

تحياتي