قول لأ

انتهيت


لم تمض سوى ساعات قليلة على هروبه من تونس، حتى تسرّبت رسالة كتبها زين العابدين بن علي إلى أصدقائه، يلخّص فيها تجربته المريرة، بسطورٍ قليلة، لكنها تحتوي كلّ شيء!

يقول الرجل: "آه، يا أصدقائي، لا أذاقكم الله ما رأيت، ولا ما عشته من رعب حقيقي، لم أشعر به في حياتي كلها. فعندما بدأت كرة الشارع بالتدحرج قفز إلى ذهني مئات المعتقلين وآلاف المشردين ومن قضوا في سجوني، تخيلت حجم الانتقام مني ومن أسرتي، وترحّمت على الشاه، وكانت أقصى أمنياتي أن أتمكن من الفرار مثله، حتى لو عشت طريداً بلا مأوى، على أن أقع في أيدي الشعبالذي جلدته تلك السنوات الطويلة...

لا تسألوني كيف انهار كل شيء، فلو كنت أعرف لما حصل، ولما أرقت ماء وجهي وأنا أعترف بخجل أمام الشعب بحماقاتي، لكن ما أدركه الآن جيّداً أنّ الضمانة الوحيدة لأي قائد ليست في جيش ولا أمن ولا أموال مكدّسة، ولا بعلاقات خلفية وتفاهمات سريّة مع الأميركان أو الفرنسيين أو الانجليز.

حكمت بلادي بالحديد والنار، وتحايلت على نفسي بأنّ البديل هم "الإخوانجية" المتطرفون، وبأنني أخدم الناس بإطعامهم، وأن الحرية ترف في البلاد العربية. وتحايلت كذلك على نفسي بأنني في سبيل هذه "الخدمات" التي أقدمها لا بد أن أحصّن نفسي بشيء من الثروة لآخر العمر، ولضمان مستقبل الأولاد.

لم أصدق في أيّ يوم أنّ أحداً من الشعب الخانع سيتحدّى الأمن والبوليس ولا هذا الجيش العتيد، وخدعتني التقارير الأمنية التي صوّرت المعارضين جميعهم أعدائي، وخُدعت بالوصوليين الذين باعوا مبادئهم بمنصب تافه ومالٍ زهيد، فأصبحوا بوقاً لنظامي، لأكتشف لاحقاً أنّ الضمانة الوحيدة فقط هي حب الناس والنزاهة والمصداقية وشهادة التاريخ بحسن السيرة والحكم، فهي أغلى شهادة في الدنيا والآخرة.

أنا متأكّد أن هنالك بالرغم من كل ما حدث من سيحسدني، ويقول تفلسف الآن كما تشاء وقد هربت بثروات الشعب المنهوبة، وأقول له إنّك مخطئ جداً؟ فكل هذه الثروات لا تساوي شيئاً أمام الذل الذي أشعر به حالياً، وأنا أتابع الفضائيات، والملايين في كل العالم تفضح تاريخي، وأنا أشاهد أعواني المقرّبين وبطانتي ينكّل بها، ويخضعون لمحكمة الشعب، وقد تخليت عنهم ونفدت بروحي، حتى لا ألقى مصيرهم.

لا تتصوّروا حجم الرعب والإهانة، وأنا في طائرتي أحلّق في الفضاء فيلفظني حلفائي وأصدقائي القدامى، والكل يعلن البراءة مني، ويسارع إلى التنديد بي ليكسب الرأي العام، حتى ابنتي وأقربائي الخلّص يغادرون باريس اليوم، بعدما أصبحوا أناساً غير مرحّب بهم، وبدلاً من أن أجلب لهم الاحترام أمام الناس، أصبحت عاراً عليهم، وخزياً يتجاوز ما حصّلته لهم من أموال!".

لا أدري، الآن، ما هو مصيري، هل سيلاحقني الإنتربول، كالحكام الفاسدين الآخرين، وأعتقل؟ وهل سأسلّم لمحكمة دولية لأحاكم على أولئك الذين قتلهم الأمن بدم بارد في الانتفاضة الشعبية، أم أسلّم إلى السلطات التونسية لأحاكم أمام الناس؟! وهل ستصادر أموالي في بنوك العالم، وأنتهي للاشيء، لا سلطة ولا مال ولعنة التاريخ والشعب؟!.

لاأدري، الآن، ماهو مصيري. لكنني انتهيت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" بن علي " يلخص تجربته المريرة في آخر رسالة لأصدقائه!!

عيني عينك...!


النهاردة وانا في المترو ...

كان معايا أمي وأختي الكبري...

كنا سرحانين في امان الله...

وفجأة لمحت على وجوه الناس تعبيرات مختلفة...

ما بين ممتعض ومذهول ومشلوح الحواجب ومشخوص العينين...

بالتأكيد عاوزين تعرفو ليه...

عشان واحدة شابة شيك جدا وجوزها شاب أشيك وأشيك...

جالسة وعلى صدرها بيبي تبارك الخلاق...

وهي بتقوم بالمهمة الأزلية بتاعة اي أم...

بترضع...

شفتشي...

عيني عينك..

من الكولدير رأساً..

بدون سواتر...

وفي المترو...

بدون حساب لحد شايف ...

ولا حتى لشاب مش متجوز وجعان...

وجوزها عادي جدا ولا على بالو...

للعلم هما مش مسلمين...

بس انا اعرف ناس مش مسلمين وعندهم حياء...

واعتقد ان الحياء كان زمان أحد مفاخرنا العربية العريقة...

اللي جه الإسلام وأكد عليها...

يعني الحياء سمة إنسانية منذ الأزل...

عند المسلم وغير المسلم حتلاقيه موجود...

لكن انا حاسس ان خلاص في شوطة اليومين دول...

دايرة في البلد وبين الناس ...

شعارها اللامبالاة...

ودي أحد نتائجها...

إني أري..!

فرك الزمان كفه..

بعد السكوت..

وانبري ..

متمتماً..

في خفوت..

إني أري..

فى الأفق البعيد..

سواد متشح بالسواد..

يسرع الخطى..

في مشهد جنائزي..

يحمل التابوت..

يكفن الكلمات..

يجر ثوب الحداد..

ينتزع الحياة..

من ثقوب الموت..

والشتات..

* * *

ثم توقف..

أخذ نفسا عميقاً..

وأطلق زفرة..

من صدره..

المكبوت..

وانبري ..

متمتماً..

في خفوت..

إني أري..

أسداً باسماً..

رغم الجروح..

مكبلاً في جدار..

زنزانة..

في مكان سرمدي..

تحت بحر لُجي..

من الظمأ..

يغشاه بحر ..

من الأمل..

يعصره بحر ..

من القهر..

والجبروت..

أو ربما..

من اللامكان..

يأتي الصوت..

صوت إمرأة..

شاحبة..

تجلس باكية..

وفي كفها..

حطام فرح..

وبقايا حلم..

والوشم غائر..

بلون الشفق..

على جدار..

الحرية..

يقول:

لن تلد ولن تولد..

وعبثاً..

لم تعطها الأقدار..

تذكرة للعبور..

من تحت أنقاض..

الحياة..

إلى حدائق..

الموت..

* * *

ضم كفيه..

وزوى حاجبيه..

وصمت قليلاً..

وانبري ..

متمتماً..

في خفوت..

إني أري..

ألف مليار ظالم..

وحاكم..

في ساحة الرهبة..

صامتين..

عن أيمانهم..

ملعونين..

عن شمائلهم..

ملعونين..

جميعهم..

ووكلائهم..

والمصفقين والمهللين..

والمزورين إرادة الشعب..

وزمرة الناخبين..

ملعونين..

وكل أخرس..

من الشياطين..

ملعونين..

القيد حول اعناقهم ..

يضيق ..

والنار تكتم غيظها..

في ضيق..

غضبى ترمقهم..

وعين اللهب..

تضيق..

تسترق..

ذلتهم..

بعد قوتهم..

تلعقهم..

تتذوقهم..

ودخان الظلم..

المالح..

من قيح بطشهم..

يفوح..

وهم يلهثون..

في رعب..

وتوسل..

مبحوح..

* * *

تراجع إلى الوراء..

وأغمض جفنيه..

وبحسرة..

انبري ..

متمتماً..

في خفوت..

إني أري..

شعبا جمعه مطر..

وطرحه مطر..

وغضبته رذاذ..

من مطر..

الشمع الأحمر على الشفاة..

يتربع في أمان..

بعد ان خرس اللسان..

وهو يرتجف..

يسبح بالرضى للقضاء..

والقدر..

رغم الخطر..

والنار من حوله تقترب..

والشريان من الوريد..

ينقطع..

والحزن غائر..

في دمعة طفل..

يرتجف حائر..

تحت زخات المطر..

رغم الخطر..

وطعم الموت..

في حلق المذياع..

ونشرات الجزيرة..

تغني موال الألم..

ياليل الخطر..

يا عين الخطر..

صدق الوعد..

والمكتوب..

والوطن قد انشطر..

وصوت المؤذن..

في بغداد ..

قد انشطر..

وشريان الروح..

في وادي النيل..

قد انشطر..

ومسري الأنبياء..

في القدس..

قد انشطر..

ياليل الخطر..

يا عين الخطر..

الكل في خطر..

الشمع الأحمر على الشفاة..

واللسان لا زال يرتجف..

يسبح بالرضى للقضاء..

والقدر..

رغم الخطر..

* * *

سألته في ألم..

وعبرتي تختنق..

عن الأمل..

ومجئ الفجر..

هل يُحتمل..

رمقني طويلاً..

وانبري ..

متمتماً..

في خفوت..

عذراً بني..

في الأفق البعيد..

أرى غريب..

تُراوحه عاصفة ..

من تراب..

أو هو وهمُُ..

و سراب..

عذراً بني..

كلاب الليل..

تفتش عن الفجر..

تنهش الأزقة ..

والطرقات..

تكمم الأفواه..

تصادر الفرح..

تنبح في وجه..

الصبح..

تعتقل صبية..

تفقأ عين دميتها..

حتى لا تري..

عذراً بني..

لستُ متأكداً..

أني الأن..

أرى..!!

الحكومة المستبدة

يقول (الكواكبي) في كتابه طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد :

الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي..

إلى الفرّاش ..

إلى كنّاس الشوارع ..

و لا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً ..

لأن الأسافل لا يهمهم طبعاً الكرامة و حسن السمعة إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته ..

و أنصار لدولته ..و شرهون لأكل السقطات من أي كانت و لو بشراً أم خنازير ..

آبائهم أم أعدائهم ..

و بهذا يأمنهم المستبد و يأمنونه فيشاركهم و يشاركونه ..

و هذه الفئة المستخدمة يكثر عددها و يقل حسب شدة الاستبداد و خفته ..

فكلما كان المستبد حريصاً على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه ..

و احتاج إلى مزيد الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة ..

و احتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة ..

و هي أن يكون أسفلهم طباعاً و خصالاً أعلاهم وظيفةً و قرباً ..

و لهذا لابد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحديث:أكثر من مائة عام مرت على ما قال الكواكبي ..

وللعلم فقد مات مقتولا بالسم في القاهرة التي دفن فيها في 1902 م..

ما الذي تغير إذن؟!

ولماذا العجب من نتائج انتخابات مجلس الشعب 2010..؟!

خد على قفاك

أوفسيد..!

عندما يكون تحقيق المصلحة الذاتية على حساب مصالح الناس ، أو يكون ثمن تلك المصلحة تقديم قرابين للحزب الحاكم الذى يعيث فساداً في مصر، أو على حساب الغلابة الكادحين أو الإضرار بملايين الشباب الذى فقد مجرد القدرة على الحلم، فهذا هو الانتكاس والارتكاس في حمأة الانتهازية الدنيئة، والتى تمثلت في ركلة شديدة القسوة من قدم "الشاطر" عمرو خالد ، سددها في قلوب الطيبيين عقب تمريرة مررها له الحزب الوطني في الانتخابات الأخيرة، مزق بها صورته وكسر الثقة في كلامه وخرج بعدها "أوفسيد"..!

ـــــــــــــــــــــــــــــ

كمل الحكاية من هنا..