
الضبع الأسود...!
لا يعرفه احد منكم بالطبع ...
وكذلك أنا لم اكن اعرفه...
لولا انني جلست مع ذلك العجوز الفلسطيني
الذي يحتسي نفحات الماضى
مع رشفات قهوته المرة بمرارة ذكرياته...
تلك الذكريات النازفة من ثقوب الذاكرة....
وبدأ العجوز ملاحقة الماضى...
12 /4 /1948
عبر صفارات شفرة جهاز موريس العتيق
تلقى القائد المصري "طه" –هكذا اسمه- أوامر بترك قرية
كانت تحت حمايته
تحسباً لهجوم وشيك تشنه عصابات صهيونية
مدعومة من المدفعية البريطانية....
***
الضبع الأسود...!
يجتمع مع عدد محدود ممن تبقى من أفراد كتيبته
بعد إستشهاد معظمهم فى عمليات فدائية
وهم يمزقون جنازير الدبابات البريطانية
لعرقلة تقدمها صوب القرية
التي تجمد نساؤها واطفالها
من البرد والمطر
الذي لم ينقطع منذ يومين
بالاضافة الى الجوع الشديد
جراء الحصار....
***
الضبع الأسود...!
الجميع بدأ بنزع شارات الرتب المميزة
للجيش المصرى من على أكتافهم..
تعانقوا وتعاهدوا على الموت...
زخات المطر تكلل وجوههم..
رصاصاتهم معدودة وقذائفهم
تعد على اصابع اليد الواحدة..
يرمق القائد "طه" الأفق بعينيه..
يخيل اليه انه يري خيالات بيضاء
تحلق بعيداً في السماء..
دمعت عيناه ودعا الله بالنصر..
قبض على يد اخوانه وافترشوا الخريطة
وتدارسوا خطتهم الأخيرة...
وارتجلوا للمهمة إسماً
"لا للانسحاب"
***
الضبع الأسود...!
إستغرق القتال يومين كاملين..
نفذت الذخيرة..
نفذ الماء..
نفذ الطعام..
إنقطعت إمدادات القري المجاورة
إستشهد الكثير من النساء والأطفال
ممن لم يسعفهم الحظ بالهرب..
إستشهد رجالات القرية
مقبلين غير مدبرين..
الخنادق تفوح بالمسك من أشلاء عرس لم يكتمل...
خسائر الصهاينة في المعارك 450 قتيل
وإتلاف عشرات الآليات العسكرية...
***
الضبع الأسود...!
توقفت حناجر المدافع البريطانية...
هدأ كل شئ كما بدأ...
الدخان والحطام يرقص فى كل مكان
رقصة صهيونية مجنونة
يزحف جسد ما فى الماء والوحل
مع اللحظات الأولى للصباح...
واهن...
جائع ...
نازف...
خيط الدم خضب ماء المطر خلفه
باللون الأحمر
يواصل زحفه البطئ
ولا يقوى على فتح عينيه
الملتهبة المتورمة الا قليلاً ...
إحدى ساقيه ممزقة تماماً
الطين اختلط بدماء جرح غائرفى جانبه الأيمن...
تصميم عنيد يجعله يواصل الزحف...
يتخطى جثث كثيرة فى طريقه
نساء تحتضن أطفالها فى حنو صامت
رجال يتعانقون مع بنادقهم
ويعانقهم الموت
إختلط الجرح بالجرح
والألم با لألم
حتى الماشية تمددت على الأرض
في سكون أبدي
وصل الى حقيبة عسكرية صغيرة
فتحها بصعوبة...
التقط منها صورة بالأبيض والأسود...
بدا فيها واقفاً بصحبة زوجته
التي ابتسمت له
وهى تحمل طفل صغير
فابتسم لها هو الآخر
وبالقرب منهما وقفت ابنتهما
الصغيرة....
تأمل الصورة طويلاً واشرق وجهه
بابتسامة واهنة
رغم الألم
***
الضبع الأسود...!
لم يشعر بالجنود الصهاينة الذين يبحثون عن الجرحى
ويطلقون النار على رؤسهم إنتقاماً منهم...
تقترب خطوات أحد الجنود
يقلب فى أجساد الشهداء بحثاً عن جريح يقتله..
أما هو فاستمر في تامل الصورة
مع إهتزاز التفاصيل
وإنقطاع الوعى شيئاً فشيئاً ...
يمسح حبات المطر
من على وجه الصورة بصعوبة بالغة...
فتتسخ اكثر من الوحل والدم ...
لم يشعر الا بحذاء صهيوني غليظ
يضرب الطين في وجهه
وقد تصلب واقفاً امامه...
مال الجندي نحوه...
وابتسم ابتسامة صفراء
وتمتم ببضع كلمات عبرية مقيتة
واختطف الصورة من بين يديه..
لم يشأ ان يمانع او يتشبث بها...
لا يقوى على ذلك...
وعلى كل حال سيرحل الأن...
الصق الجندي فوهة مسدسه البارده بجبهته...
تلاقت عيناهما...
بصق "طه" على وجه الجندي القذر...
تقاطرت حبات المطر
على فوهة المسدس...
وانسابت نحو جبهته المرفوعة عالياً...
خيل اليه انه يشد قامته فى شموخ...
كعادة القادة فى الميدان
حينما يواجهون الموت...
إعتصر الجندي بحنق واضح وعصبية الزناد...
طبع الخلود قُبلة حانية بين عينيه...
أضاءت الدنيا فى وعيه...
غمره شعور بالراحة...
لملمت ذاكرته أشلائها...
تمزقت اوارق الماضي ...
واحترقت لحظات الحاضر...
فزعت بعض الطيور...
وطارت من فوق اغصان...
شجرة قريبة...
وحلقت مبتعدة....
................
قصة حقيقية